السبت، 2 فبراير، 2008

سماحة الإسلام في ميزان السنة والقرآن

كلما تطرقت لموضوع حرية الإعتقاد والتدين في الإسلام وجدت الصورة وردية رائعة مبهجة تبشّر بمستقبل ناصع البياض لا تشوبه شبهة الكره أو العنصرية أو التعصب, ولكن هيهات, يصر الإسلام ومن خلفه المسلمون على التناقض المثير للشفقة بين إدعائهم بحرية التدين وتقبل الأديان السماوية (السماوية فقط) وإحترامها وعدم التعرض لمتبعيها وبين (التضييق عليهم) ودعوتهم للإسلام دوماً والحض على كراهيتهم (لأنهم لن يرضوا عنا حتى نتبعهم) وفي أوقات كثيرة تحريم التعامل معهم أو حتى السلام عليهم (لأنهم مشركون كفرة محرفة دياناتهم أنجاس تبعا لقول القرآن الكريم "المشركون نجس").

والتناقض العجيب في التعامل مع أصحاب الديانات السماوية الأخرى في القرآن والسنة لا ينتهي, بل ويمتد أحياناً إلى الديانات الوضعية, فالتناقض واضح كما يلي:

البقرة - سورة 2 - آية 62 :

"إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

النصارى والصابئين (ديانة يقال انها امتداد للحنيفية ولها تأثير عظيم على الإسلام) وكل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً (إنظروا للتعميم المخل) لا خوف عليهم, أي أنهم في أمان ربهم ونهايتهم الواضحة ليست بجهنم ولا التعذيب الأبدي, فهو يطمئنهم ويأخذ بيدهم ويعدهم بعدم الحزن, إنها محاولة واضحة لكسب الود والإرضاء وبيان مدى سماحة الدين الجديد تجاه الآخرين, الذين ما أن يروا هذه السماحة والأدب والمحبة إما أن يعلنوا إسلامهم إعجابا أو على أقل تقدير سيعاملون أتباع الدين الجديد بمثل معاملتهم, وهو المطلوب في وقت نزول الآية حيث لا زال الإسلام في بدايته ويحتاج لتحييد البعض وكسب ود البعض الآخر وإفحام البعض بمدى وداعة وبساطة الدين القادم.

ثم نرى خطوة أخرى غرضها (في رأيي المتواضع) خبيث لأقصى درجة, ولنرى:

سورة البقرة - سورة 2 - آية 113

"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون"

كلاً من النصارى واليهود يتهم الآخر بأنه باطل وأن الآخر الحق, من الواضح إسلوب فرق تسد, يختلف اليهود والنصارى فيما بينهم وتدور رحى المجادلات والمشاحنات حتى يفصل بينهم الله يوم القيامة (الله يتكلم عن نفسه؟! لماذا لم يقل "فأحكم بينهم يوم القيامة"؟), كل هذا يحدث فيما يتابع المسلمون بكل ود ومحبة, لا يتدخلون فيما بين الفريقين المتصارعين, فالله سيحكم بمن الأحق يوم القيامة (مع أننا نعلم أن المسلمون لا يعترفون بأي حق لأي دين آخر غير الإسلام!), وهو موقف محايد تماماً لا غرض من وراءه سوى تبيان بطلان كل فريق لمعتقدات الآخر وبالتالي بدء التشكيك فيها والنظر للوافد الجديد ودينه الناشىء.

ثم نأتي للحظة الحاسمة, وهي يا للعجب, في نفس السورة, لحظة تبيان العداء الأبدي بين المسلمين واليهود والنصارى, العداء الذي سيكون الأساس فيه معرفة باطن كل يهودي ومسيحي دون إنتظار للتأكد من صحة هذا الباطن, إليكم:

سورة البقرة - سورة 2 - آية 120:

"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير"

تلك الآية على وجه التحديد يستخدمها المسلمون الآن ليبرروا بها كراهيتهم العميقة لليهود والمسيحيين, فهم لن يرضوا عنا حتى نتبع دينهم, مع أن كثير منهم لا يهمهم بأي حال من الأحوال إن إتبع دينهم مسلم أو غيره ففي النهاية هم لديهم "ما لله لله وما لقيصر لقيصر", كما أن المسلمون أنفسهم يصرون على أن يتبع الآخرون دينهم عن طريق الجهاد أو الدعوة أو الأسلمة ولو بالقوة وتحت تهديد السلاح, والأعجب أننا لم نرى غزو مسيحي أو يهودي لنشر أي من الديانتين بالقوة والإرهاب, في حين أن تاريخ التوسع الإسلامي كله لم يكتب إلا بدماء أهل الدول التي غزتها سنابك خيول الإسلام تحت راية لا إله إلا الله وسيف الصحابة والخلفاء والأمراء فيما بعد, لن ترضى اليهود والنصارى إلا أن تتبع دينهم, ولن يرضى الإسلام أيضاً إلا أن يتبعوا ملته, هل توجد إزدواجية مريضة بتلك الصورة إلا في الإسلام؟

ومن عجائب الأمور أن تجد مسلم يتفاخر بأنه لا يستهزأ بأديان غيره وخاصة السماوية منها رغم تحريفها, مع أن قرآنه نفسه يقول:

سورة المائدة - سورة 5 - آية 18:

"وقالت اليهود والنصارى نحن ابناء الله واحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والارض وما بينهما واليه المصير "

الغريب أن القرآن لا يفرق بين اليهود والنصارى عندما يقول "فلم يعذبكم بذنوبكم", فهو تقريباً لا يعلم أن المسيحية فقط هي التي تختص بجزئية تعذيب المسيح بذنوب المسيحيين, ولكن يبدو أن عداء القرآن المستحكم للمسيحية جعلته ينقدها (مع أنها دين نفس الإله الذي أنزل القرآن) دون أن يراعي أن بجانبها اليهودية التي لا تحتوي على تعذيب أحد بذنوب أحد! وهو هنا يسخر من فكرة التضحية المسيحية بكل غرابة, فلماذا يسخر من معتقدات أشخاص إتبعوا دين هو نفسه من أنزله ولم يستطع الحفاظ عليه يوماً؟ وكأن الذنب ذنبهم أنه لم يحافظ على دينهم وحافظ على دين غيرهم!
فإذا كان القرآن يسخر من أتباع الأديان السماوية بتلك الصورة المرضية, فلماذا لا يسخر المسلمون منهم؟ مع العلم أن القرآن معجز وقدوة ولا ينطق عن هوى!

ثم ينتقل بنا القرآن لمزيد من التفرقة والعنصرية وإقصاء الآخر, فيقول:

سورة المائدة - سورة 5 - آية 51:

"يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء بعضهم اولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين "

وهو هنا يحذر من آمن من المسلمون أن يتخذوا من اليهود أو النصارى على (وجه التحديد) أولياء عليهم, فهم من ناحية كفرة مغضوب عليهم وضالين لا يجوز التعامل معهم, ومن ناحية أخرى يضع للمسلمين مكانة أعلى وأرفع من غيرهم من البشر, فلا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم, فهل تجوز ولاية العبد على السيد؟ هل تجوز ولاية السريرة على الزوجة؟ هل تجوز ولاية الإعرابي على العربي ؟ بالطبع لا! لأنه ليس دين المواطنة أو المساواة كما يدّعي البعض, وأتحدى أن تقام دولة مدنية حقيقية يتبع فيها الحاكم القرآن بالنص! مرة أخرى الإزدواجية العجيبة التي لا تعبر سوى عن مآزق المسلم بين أدعاؤه بالديموقراطية والحرية والمساواة والعدل وبين أقدس كتاب يؤمن به, لم نتكلم عن الحديث الشريف أو السيرة, ففيهم ما فيهم وبأكثر بكثير.

لاحظوا معي هذه الملحوظة البسيطة:

سورة الحج - سورة 22 - آية 17:

"ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد"

النصارى مع الصابئين والمجوس والمشركين!! كلهم في جعبة واحدة, لا فرق بينهم, لهذا يعتبر بعض المسلمون أن المسيحية الحالية من الممكن أن تعامل معاملة الديانات الوضعية الإنسانية لأنها حرفت ولم تعد سماوية صِرفة, والفضل بالطبع للقرآن السمح الذي لا يحقر من ديانات الآخرين خاصة التي أنزلها صاحب القرآن نفسه!

وللنظر إلى الحديث الأشهر عن معاملة أتباع الديانات السماوية الأخرى بعد أن قويت شوكة الإسلام ومحمد:

حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، - يعني الدراوردي - عن سهيل، عن ابيه، عن ابي هريرة، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام فاذا لقيتم احدهم في طريق فاضطروه الى اضيقه ‏"‏ ‏. صحيح مسلم

فهل من سماحة ومحبة وسلام وتقبل للآخر أكثر مما في الإسلام؟

رسول الرحمة لا يلعن ولا يدعو لقتل البشر ممن لم يتبعوه, ويحترم معتقداتهم أياً كانت:

حدثنا هارون بن سعيد الايلي، حدثنا ابن وهب، اخبرني يونس، ومالك، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، ان ابا هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قاتل الله اليهود اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ‏"‏ ‏. صحيح مسلم

وحدثني هارون بن سعيد الايلي، وحرملة بن يحيى، قال حرملة اخبرنا وقال، هارون حدثنا ابن وهب، اخبرني يونس، عن ابن شهاب، اخبرني عبيد الله بن عبد الله، ان عائشة، وعبد الله بن عباس، قالا لما نزلت برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك ‏"‏ لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ‏"‏ ‏.‏ يحذر مثل ما صنعوا ‏. صحيح مسلم

ومن آداب الحديث مع أصحاب المعتقدات الأخرى أن تصفهم بالسفهاء!

حدثنا عبد الله بن رجاء، قال حدثنا اسرائيل، عن ابي اسحاق، عن البراء بن عازب ـ رضى الله عنهما ـ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر او سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ان يوجه الى الكعبة، فانزل الله ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏}‏ فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس ـ وهم اليهود ـ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ‏{‏قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم‏}‏ فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الانصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو يشهد انه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانه توجه نحو الكعبة‏.‏ فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة‏. صحيح البخاري

وبالطبع لا يوجد ما يمنع السخرية من معتقدات أصحاب ديانة سماوية على المنبر!

حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، قال سمعت الزهري، يقول اخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، سمع عمر ـ رضى الله عنه ـ يقول على المنبر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ لا تطروني كما اطرت النصارى ابن مريم، فانما انا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله. صحيح البخاري

أعتقد أنه بعد عرض تلك الأمثلة من القرآن والسنة الصحيحة لا يجوز أن يأتي المسلمون ليتكلموا عن الإسلام الحقيقي أو الصحيح الذي يدعو للمساواة والمواطنة والحب والتآخي والسلام, مع العلم أنني لم آت بشيء من السيرة النبوية العطرة, وهي تشمل العديد والعديد من تلك الأمثلة وأكثر بكثير, لأن البعض من المسلمين سيصفونها بالكتب الصفراء والحمراء والخضراء وأنها ليست حجة على الإسلام وأن كاتبيها معادين لله ورسوله...إلخ

لا عتب على كره المسلمين لغيرهم وإحتقارهم لأديانهم ومعتقداتهم, فإذا كان من شروط المسلم الحقيقي إزدراء غيره وتحقيره والجهاد ضده وإستحلال أمواله ونسائه, فلا أرى داعي لتوقع الخير ممن يريدون تطبيق الإسلام كما أُنزل في القرآن والسنة الصحيحة, مع العلم أن كل تلك الأمثلة تقصد بالاصل متبعي الأديان السماوية, فما بالكم بالملحدين أو اللادينيين أو البهائيين أو السيخ أو الهندوس...إلخ

في النهاية نقول أن الإزدواجية والتناقض الإسلامي لا نهاية له طالما أصر الإسلاميين على إرتداء قناع لا يناسبهم ليصلوا لأغراضهم التي أمرهم بها القرآن والرسول, زعند أول فرصة يتمكنوا فيها من إعتلاء سدنة الحكم والسيطرة من جديد ستتكشف كل الأقنعة وستزول مساحيق التجميل البريئة وستتساقط جلود وجوههم كأنها لم تكن, ووقتها فقط سنرى الإسلام الحقيقي كما يريده الله ورسوله, ولنا في الإخوان المسلمون عبرة, فعندما نادى احد كبرائهم بجواز تولي غير المسلم أو المرأة الولاية تساقطت عليه سهام ورماح زملائه مطالبين إياه بالرجوع للحق والتنصل من اراؤه المخالفة لصحيح الإسلام الذي يرفض تماماً تولي غير المسلم والمرأة الولاية !! وهو كشف مبكر لأحد أقنعة الإسلام الزائفة, والبقية تأتي।

الموضوع بالكامل على منتدى الملحدين العرب

ليست هناك تعليقات: