الأربعاء، 21 مايو، 2008

خواطر في نقد التفكير الإسلامي

لا أعتبر تلك الخواطر أداة للهجوم على الأديان في حد ذاتها أو تقليل من شأن معتنقيها, فقط أحاول قدر الإمكان تقديم نقد لا أعتبره لاذع للطريقة التي يفكر بها كل متدين إعتبر الدين هو المحور والأساس لكل خطوة في حياته, تلك الخواطر هي دعوة لإعادة التفكير في المسلمات وتكسير بعض الأصنام التي إعتدنا عليها دون إعمال بعض العقل بشأنها .....

خمر ونساء وشذوذ:

كل ما يفكر فيه المسلم بشأن دنياه يحيله مباشرة للجنه الموعوده من ربه ورسوله, الحياة بأسرها ما هي إلا محطة لتجميع أكبر قدر ممكن الحسنات لإستثمارها بشكل نفعي بحت بعد الموت, ولكن كيف يجمع المسلم حسناته؟ هذه هي المعضلة الحقيقية التي نتحدث عنها.

للمسلم عدة وسائل لتحصيل ما يثقل كفة ميزان الخير, منها مثلاً أن يتدخل في حياة غيره تحت غطاء شرعي يسمى الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الخوف على الآخر من الجحيم وعذابه, ومن الطرق الأخرى التي يستخدمها المسلم ليحصل على تأشيرة دخول الجنه الجهاد في سبيلها (وليس في سبيل الله), فالمراد الأول والأخير من الجهاد والإستشهاد وقتل الأنفس لرفع راية الإسلام هو جنة تجري من تحتها الأنهار وحور عين وغلمان كاللؤلؤ المنثور, ولم نر يوماً أحدهم يحفز زملائه بالموت في سبيل الله حتى يحظون بمغفرته أو رحمته أو لقائه على إنفراد والحظو بشرف التحدث معه بعد أن أنهى مهمته الجليلة على الأرض في سبيله, التحفيز دوماً يأتي من جهة الجنه ونعيمها فقط لا غير.

وقد يفعل المسلم المستحيل لينال كمية من الحسنات تكفيه لدخول الجنه برصيد مطمأن كأنه ينافس غيره فيمن يدخل أولاً ومن سيحتل أعلى مراتب الجنه ومن سيحظى بأدناها, وهو ما يجعله متلهف للموت حتى ينال طعام وشراب من أشهى ما يكون, وعذارى يبلغن الإثنان وسبعون كلما فضضتهم في المساء تستيقظ لتجدهم عذارى من جديد, مع الوضع في الإعتبار أن عملية فض غشاء البكارة ليست بتلك المتعه التي تستحق أن تموت من أجلها ملايين الأنفس, والأدهى والأمر أننا نجد في الجنة كل ما حرمه الله على الأرض, فنجد الخمر (التي إختلف عليها العلماء من كونها مسكرة أم لا, وإذا كانت مسكرة فهي محرمه, وإذا لم تكن مسكرة فهي ليست خمر!), ونجد أن عدد الزوجات يصل لإثنين وسبعين إلى جانب الزوجات الشرعيات من الحياة الأرضية ومضاف إليهن الجواري والسرائر والسبايا وملك اليمين, وهو ما يخالف آية مثنى وثلاث ورباع شرط العدل بينهن, ومن أعجب جوائز الجنه على الإطلاق هي حرية ممارسة الشذوذ وتحت رعاية إلهية كامله, وإلا فهل من تفسير لوجود الغلمان المخلدون؟ مع العلم أن عقوبة اللواط في الإسلام هي الرمي من علِ!, فهل يحلل الله فعل أقيم له حد بواسطته على الأرض (الخمر واللواط)؟ وهل يحلل الله أربع زوجات بشرط العدل ثم يبيح تعدد يصل لأصعاف أضعاف ما قدّره هو مسبقاً, وبدون وضع شروط؟


الإيمان الإسلامي بين الواقع والغيب:

قد أقبل أن يؤمن المسلم بالله دون أن يراه, تلك ليست مشكلة على الإطلاق في ظل تفسير الظواهر الطبيعية بطريقة خيالية إسطورية نتيجة لإحدى عوامل الجهل أوالفقر أوالمرض الذي تعاني منه أغلب الدول العربية أو الإسلامية, ولكن ما لا أقبله على الإطلاق أن يؤمن المسلمون بنبوة إنسان لا يجدون أي دليل على نبوته سوى كتاب غير معلوم من كتبه ومتى وغير مفهوم في كثير من صفحاته! والأعجب أنهم يؤمنون به بتسليم لا رجعة فيه كأن معجزاته ملئت الكون شرقه وغربه, شماله وجنوبه حتى يعجب المرء ممن لا يؤمنون به! وقد تحديت سابقاً أحد المسلمين بأن نفتح قبر الرسول لنرى هل جثته سليمة كما قال هو عن أن الأنبياء لا تأكل جثثهم الأرض أم ستكون تراباً كما أنبئتنا الطبيعة؟ فما كان جوابه إلا "لو قادر على فتح القبرفتفضل بفتحه وسننتظر النتائج!", فهل يصل الإيمان بإنسان لتلك الدرجه التي نتجاهل فيها قوانين الطبيعة في سبيل تمجيده؟


الإيمان بوجود خالق لكل شىء مريح نفسياً لمحدودي العلم وللراغبين في إراحة العقل, أما الإيمان بوجود شخص خارق فعل أفاعيل ضد الطبيعة وبدون تقديم أي أدله على تلك الأفاعيل فهو ما لا يمكن قبوله خصوصاً مع تعطيل كامل للعقل والمنطق يصحبه بالطبع الإيمان بخيالات هذا الشخص وإتباع أوامره دون تفكير لدرجة قتل الأخ والإبن وهجران الزوج تنفيذاً لما قاله!

الشغف بإتباع قائد ملهم أو نبي معجز أو رسول منقذ هو حلم الضعفاء الغير قادرون على الفعل فيحمّلون مسئوليته لغيرهم مع إعطاؤه دفعات معنوية لا نهائية حتى يقودهم لإنتصارات متتالية حتى لو كانت وهمية, والأمثله من التاريخ كثيرة لا تعد ولا تحصى, فمن الإسكندر الأكبر لجنكيز خان لمحمد لهتلر نجد نفس الإسلوب في إتباع القطيع للرجل القوي مع تمجيد وتعظيم وتفخيم غير معتاد, فقط يختلف الأمر من شعوب لأخرى في طريقة التمجيد والتفخيم, الأسكندر الأكبر وجنكيز خان مثلاً لازالوا يعتبرون حتى الآن من أعظم العسكريين في العالم, ولكنهم ليسوا مقدسين ببلدانهم, هتلر الآن يعتبر عقلية عسكرية قائدة فذة, لكن الألمان مثلاً يتوارون خجلاً من أفعاله ولا يكابرون بشأنها, المسلمين لأنهم دائماً متميزون إعتبروا نجاح محمد بجيوشه في إحتلال أراضي الغير مجد بلغ درجة القداسه بل والألوهية (الله نفسه يصلي عليه ويسلم), وصاروا يتبعون سنته ويقدسون سيرته ويهددون بقتل كل من ينتقده دون الوضع في الإعتبار أنه من الممكن أن يكون بشر مثلنا يصح إنتقاده أو عدم الإيمان بكونه من السماء.

بالطبع من الصعب إقناع جماهير المسلمين بإعادة التفكير في قائدهم وملهمهم محمد, ومن المستحيل أن يعيدوا التفكير فيه من جديد من وجهة نظر بشرية إنسانية بحته, فتلك الهاله من القدسية والإعجاز هي من تجعلهم يعيشون دوماً وهم أنهم الأفضل دون الوقوف على أرض حقيقية تدعم هذا الإعتقاد.


الإعجاز العلمي أساس الإيمان:

كلما تناقشت مع مسلم عن الأسباب التي تقنعه بكون الإسلام هو الدين الحق الرباني المنزّل من السماء لم أجد إجابه سوى "ألم تسمع عن الإعجاز العلمي في القرآن؟ هل تريد إثبات أكثر من هذا؟", وهو ما يحيلني مباشرة للسؤال المنطقي جداً من وجهة نظري وهو "وماذا عن مرحلة ما قبل زغلول النجار وإعجازه العلمي؟ هل كان المسلمون غير مؤمنون مثلاً؟", فلا أجد إجابه سوى إلتفاف وتغيير للموضوع كأنه لم يكن!

لولا الإعجاز العلمي في القرآن لما طال النقاش كثيراً بيني وبين المسلمون, فوقتها سيكون اغلب النقاش عن "فلتأتوا بمثله" أو "إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون", وهو بالطبع النقاش الذي لن يصمد طويلاً امام أشعار المتنبي ومسرحيات شيكسبير وكوميديا دانتى أليجري الإلهية والأياذة والأوديسة لهوميروس ورسالة الغفران لأبو علاء المعرّي.

التشبث بوهم الإعجاز العلمي في القرآن هو طوق النجاة الأخير أمام لا معقولية الدين وتناقضه مع تطور الإنسانية وحقوق الإنسان وحرية المرأة, بل وحتى طوق النجاة الأخير هذا كان-لحسن الحظ- سبب في إلحاد أو لا دينية على الأقل العديد من المسلمين الذين رأوا في الإعجاز العلمي تناقض مع العلم الحديث واضح وصريح, وصار ربط القرآن بالعلم هو وسيلة الجاهلين بأسس العلم (وهم كثر في العالم الإسلامي) للإقتناع بصحة دينهم أو الذين يستغلون الدين في التربح والشهرة بواسطة ربطه بالعلم لتخدير العقول المغيبة أو لإضافة بعض الإثارة والتشويق لدين كان قد قارب على الإنتهاء لولا تلك الخدعه الجهنمية الإعجازية.


تسلسل التفكير الديني ونتائجه:

تفكير الإنسان المتدين دائماً ما يبدأ من نقطة إنطلاق إسطورية غير مستندة على حقائق ليصل في النهاية لنتيجة لا تمت بصله للواقع الذي يعيش فيه, ولتفسير هذا التسلسل في التفكير نأخذ مثال بسيط ....

البداية : يقول المسلم أن دينه هو الحق وهو الخاتم.

ثم : لابد أن ينتشر في كل بقاع الأرض.

وبعد : وأعدوا لهم ما إستطعتوا.

عندها : الإسلام أو الجزية أو القتال.

النتيجة : فرض الإسلام قسراً سواء بالقتال أو بالدعوة أو بالإرهاب.

مثال آخر .....

البداية : آدم هو أول المخلوقات.

ثم : الإنسان هو خليفة الله على الأرض بتسلسل الرسل والأنبياء.

وبعد : بتتبع أعمار الأنبياء نجد أن عمر الإنسان على الأرض لا يزيد على عشرة آلاف عام.

عندها : نكتشف أن عمر الإنسان بشكله الحالي حوالي مليونان من السنوات, وأنه كانت تعيش قبله كائنات لا حصر لها تسمى الديناصورات وغيرها بالطبع, ثم تأتى نظرية التطور لتوضح ما خفى.

النتيجة : يقتنع المسلم بأن العلم ضد الدين لأنه يتناقض مع حقائقه, وبالتالي يرتكن لإهمال العلم الذي سيزعزع دينه في سبيل كليات الشريعة والقانون والفقه والدعوة.

مثال أخير .....

البداية : كل من هو غير مسلم كافر.

ثم : الكفرة مصيرهم جهنم حمراء مخلدون فيها لا ينتهي عذابهم.

وبعد : نساءهم حلال وأموالهم حلال وقتلهم جهاد في سبيل الله لننال جنة الخلد.

عندها : الكره فريضة, وتضييق الطريق عليهم سنه, وعدم مصافحتهم إلتزام, ومعاملتهم كمواطنين درجه ثانية واجب, ودعوتهم للإسلام بشكل مستمر جهاد, وإتخاذهم أصدقاء فتنه تؤدي بصاحبها لأن يحاسب على دين خليله.

النتيجه : فتنة طائفية, تمييز عنصري, تحريض على الكراهية والقتل, إضطهاد, تهديدات, فرض للأمر الواقع, تبريرات منطقية لكل ما سبق.

كل تلك الأمثله إن دلت على شيء فهي تدل على أن البدايات الخاطئه لابد لها من نهايات خاطئه تهدد منظومة العقل المسلم بالكامل وتعيقه عن التطور وتعزله عن مجريات ما يحدث حوله في العالم, وهنا لابد من إعادة النظر في تلك البدايات وتصحيحها حتى نرتقى بتلك العقلية بغض النظر عن إستمرار إيمانها بالدين أو الإتجاه للبدائل التي سبق وأن تكلمنا عنها في هذا الموضوع (البدائل المتاحه في حال إلغاء الديانة)

تحياتي ....

الجمعة، 9 مايو، 2008

هل الإسلام حقاً ليس بدين عنف؟

كثيراً ما تلقينا التوبيخ ووصمنا بالإنحياز والبعد عن الموضوعية عند تناولنا لمسألة عنف الدين الإسلامي (وسائر الأديان الإبراهيمية صراحة), وعادة كانت الإجابات من شاكلة أنه دين التسامح واللين والمرونه, ولكن في النهاية يقف كلاً على موقفه لا يتزحزح قيد أنمله ...

في موضوع اليوم نتناول بالبحث قضية العنف والتشدد في الدين الإسلامي من منظور لاهوتي وتاريخي حتى نستطيع أن نقف على الحقيقة بموضوعية وحياد ....

بداية نستعرض مفهوم العنف في الدين حتى نكون على بينة من دواعى وجوده ومبرراته والأسباب التي دعت إليه :

مفهوم العنف :

عرف ( لافو ) العنف : بأنه العنف الجسدي أو التهديد به, وجميع أشكال الضغط والسيطرة والاستغلال.

أما ( ريمون ) فقد ذهب ابعد من العنف الجسدي بوصفه العنف : تطاولا على الحرية.

أما تعريف الإرهاب لدى ( ينتشاييف ) فيتلخص في تدمير قوى الشر وعلى أنقاضها يبنى مجتمع جديد وطبيعي.

أما العنف لدى ( تروتسكي ) فيتلخص في كونه مضادا للإرهاب وانه في هذه المرحلة تتغلب الطبقة على العدو بالاستخدام المنظم الفعال للعنف.

وبتتبع نظريات كيم ايل سونغ نجد انه عرف العنف الثوري بأنه أعلى صور النضال من اجل الحرية.

ويعرف ( جينكنز ) الإرهاب بأنه العنف الذي يهدد ضحاياه سواء كان بممارسة الأفراد والجماعات للعنف المصمم ميدانيا لتحقيق الخوف أو الرهبة الذي يؤدي إلى ضحية الإرهابي الذي قد لا تكون له أي علاقة بالإرهاب, إن الإرهاب هو العنف الموجه للعامة المراقبين, ويكون الخوف هو الأثر المستهدف تحقيقه.

وهكذا يتبين لنا أن أهم صور العنف هي التهديد بإستخدام القوة أو إستعمال القوة لتحقيق هدف معين, وهو بإختصار ما فعلته وتفعله الأديان على مر العصور, بل وفعلته الأيدولوجيات الحديثة مثل الإمبريالية الرأسمالية والشيوعية في بعض الأحيان.

ولكن ماذا عن الدين الإسلامي؟ هل فعلاً إستخدم العنف في سبيل تحقيق أهدافه بالتهديد تارة وبالإستخدام الفعلي تارة أخرى؟

مظاهر العنف في الدين الإسلامي لاهوتياً وتاريخياً :

كثير من آيات القرآن حثت المسلمين الأوائل على إستخدام القوة لتحقيق أهداف نشر الدين سواء بالتهديد أو الإرهاب أو بالفعل العنيف, والأمثله كثيرة سواء من القرآن أو السنه, ولكن في الفقرة التالية سنعرض ثلاث آيات على وجه الخصوص تحثان على إستخدام العنف لنشر الدين والحفاظ عليه أو لإرهاب العدو كوسيلة لزرع الخوف في قلبه قبل الهجوم, وإليكم :

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (البقرة 193)

تفسير إبن كثير :

ثم أمر الله تعالى بقتال الكفار " حتى لا تكون فتنة" أي شرك قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم " ويكون الدين لله " أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " وفي الصحيحين " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . وقوله " فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين " يقول تعالى فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين وهذا معنى قول مجاهد أن لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم وهو الشرك فلا عدوان عليهم بعد ذلك والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة كقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها " " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " ولهذا قال عكرمة وقتادة الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله .

كما نرى في الآية وتفسيرها وما حواه التفسير من أحاديث تحث على الجهاد في سبيل الله (قتال الكفار) ولإعلاء الدين الإسلامي على غيره من الأديان, وفي نفس التفسير ينتقل إبن كثير من قتال الكفار لإنهاء الشرك إلى الدعوة لقتال من يقاتل المسلمين بعد إنهاء الشرك, أي أنه لا يدعو لقتال المسلمين, الأمر الذي يجعل إتجاه العنف دوماً ناحية غير المسلم حتى يعلن إسلامه فيعصم دمه وماله على المسلمين.

إذاً العنف هنا مبرر, عنف يستخدم القوة في سبيل نشر الفكرة التي لن تنتشر بالإقناع فقط, إنما وجب وجود قوة السلاح إلى جانبها كحافز مسرّع لنشرها ولحمايتها أيضاً ممن قد يعوقون مسيرتها إما من جانب الأديان الأخرى أو لتضارب المصالح, ولكن في نفس الوقت لا يمكن نفي أن العنف في النهاية تم إستخدامه برغم الإختلاف على الأسباب التي دعت إليه.

اما الآية الثانية فهي :

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة 5)

تفسير إبن كثير :

وقوله " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " أي من الأرض وهذا عام والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم " وقوله " وخذوهم " أي وأسروهم إن شئتم قتلا وإن شئتم أسرا وقوله " واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد " أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام ولهذا قال " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " الحديث وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه . وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا عبد الله بن المبارك أنبأنا حميد الطويل عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ; فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ; لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم " ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئا فارقها والله عنه راض " قال وقال أنس : هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل قال الله تعالى " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " قال : توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ثم قال في آية أخرى " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين " ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروذي في كتاب الصلاة له . حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا حكام بن سلمة حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم أنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما كان سمي لهم من العقد والميثاق وأذهب الشرط الأول وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال : قال سفيان بن عيينة قال علي بن أبي طالب : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف سيف في المشركين من العرب قال الله تعالى " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " هكذا رواه مختصرا وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب لقوله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " " والسيف الثالث " قتال المنافقين في قوله " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين " الآية . " والرابع " قتال الباغين في قوله " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى " فإما منا بعد وإما فداء " وقال قتادة بالعكس .

من التفسير السابق لإبن كثير يتضح لنا الكثير والكثير, قتال الكفار (من ليسوا على دين الإسلام أو من لا يطبقون فروضه) يعد ركيزة أساسية من ركائز الدين الإسلامي سواء في نشره أو الحفاظ عليه, وهو ما يحيلنا لمن ينفي على طول الطريق أي تهمه تثبت على الدين الإسلامي العنف, والأدلة عديدة, منها الآيات الواردة في التفسير السابق والأحاديث بل وحادثة حروب الردة التي إستند فيها أبو بكر الصديق للقرآن والسنه كمبرر لممارسة العنف والتصفية تجاه من توقفوا عن دفع الزكاة.

وإذا نظرنا لمبررات إستخدام العنف الإسلامي من منظورنا الإنساني في وقتنا الحاضر سنجد أنها بعيدة كل البعد عن مفهوم حرية الرأي والمعتقد والحق في حياة آمنه دون تهديد.

ولننتقل للآية الثالثة والأخيرة :

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة 29)

تفسير إبن كثير :

وقوله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد الرسل ولا بما جاءوا به وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانا صحيحا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه فلما جاء كفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من الله . بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم . ولهذا قال " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب " وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقامت جزيرة العرب أمر الله رسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك فنزل بها وأقام بها قريبا من عشرين يوما ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى . وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشباههم كالمجوس كما صح فيهم الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب . وقال الإمام مالك : بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني وغير ذلك ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا والله أعلم . وقوله " حتى يعطوا الجزية " أي إن لم يسلموا " عن يد " أي عن قهر لهم وغلبة " وهم صاغرون " أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى من أهل الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا نحيي منها ما كان خططا للمسلمين وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من رأينا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه وأن نوقر المسلمين وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقاديم رءوسنا وأن نلزم زينا حيثما كنا وأن نشد الزنانير على أوساطنا وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء في حضرة المسلمين ولا نخرج شعانين ولا بعوثا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم . قال فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق .

من كل ما سبق يتضح لأي مدى إستخدم الإسلام العنف (وهنا ليس عنف بدني, بل نفسي لأقصى درجه) حين وصم أهل الكتاب (أو الكفار عموماً) بالأذلاء الحقراء الأدنى مرتبة من المسلمين, وفي كتاب عبد الرحمن بن غنم الأشعري كما هو ملون بالأحمر يتضح لأي حد كانت التفرقة بين المسلمين وأهل الكتاب في المعامله والطقوس الدينية والحقوق والواجبات بل والملبس والمظهر وحتى في الكلام والأسماء, وهو ما يعد عنف واضح المعالم تجاه المدنيين المخالفين في الرأي والمعتقد.

من كل ما سبق يتضح أن العنف في الدين الإسلامي وجد سواء عنف بدني أو نفسي وسواء تجاه المسلمين غير المطبقين للفروض أو تجاه أهل الكتاب أو الكفار عموماً, وهو عنف مشروع إذا وضعنا في الإعتبار أنه تم إستخدامه لفرض فكرة معينة في زمن معين لم يعرف مفاهيم حديثة مثل حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والمعتقد والإلتزام بالمواثيق والأعراف الدولية, وهو ما يؤكد فكرة أن الإسلام إتخذ من العنف البدني والنفسي وسيلة لنشر الدين الجديد والتوسع الإمبراطوري والحفاظ عليه من الأخطار الخارجية, ولكن في نفس الوقت ينبغي الإشارة إلى أن إستخدام العنف في ذلك الوقت كان يعد أمراً عادياً تمارسه الشعوب والقبائل والأيدولوجيات البدائية.

في النهاية أعتقد من وجهة نظر شخصية أن كلا الفريقين (المدافع عن عدم وجود عنف في الإسلام والجانب المقابل له) ليسوا على حق فيما يذهبون, فلا الإسلام كان بريئاً من العنف البدني والنفسي كمنهج, والقرآن والسنه والتاريخ الإسلامي شاهدين على ذلك, ولا الإسلام كان دين عنيف على طول الخط وبداعى أو بدون, الإسلام شأنه كشأن أي فكر جديد يسعى للإنتشار, إستخدم كل الوسائل, المشروع منها والغير مشروع, ليقوى شوكته ويزرع الرعب في قلوب منافسيه وإستخدم القوة والإرهاب ليستحق الرهبه والعظمه التي لم يكن لها طريق في تلك الأزمان الغابرة إلا بالعنف الممنهج والردع القاسي.