الخميس، 6 مارس، 2008

يوميات في الجنة

إنتقال :

تمخض الموت فولد جنه, نعم, هذا هو حالي, العبد الفقير لله توفاه ربه فأدخله جنة الخلد, أنعم فيها بالخيرات أينما ذهبت, أتولى فيها زمام أمري دون رقيب أو حسيب, حرية مطلقة بلا قيود, نهار لا ينتهي وربيع أبدي وهواء نقي وماء صافي, وجوه بيضاء مشرقة ونهود بازغه وفرش أنعم من ريش النعام, هدوء وسكينة وراحة بال فوق التخيل, ماذا يتمنى المرء أكثر من الجنه ؟

نهاية النشوة الأولى :

من وقت لآخر يطوف غلمان لم أرى جمالاً من قبل يضاهيهم, إذا أردت تقريب الصورة فهم أقرب في الشبه للممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريو مع مسحه أنثوية وبياض بشرة يجعلهم يملكون الناصيتين, الذكورية في الوجه والجسم والأنثوية في الغنج والإغراء, هؤلاء الغلمان وظيفتهم الأساسية توزيع نوع من أنواع الشراب له رائحه غاية في التميز والروعة وطعم أقرب للخمر ولكنه ليس بخمر, لدرجة أنني ألححت على غلام منهم أن يأتيني بكمية أكبر من المعتاد حتى أعرف هل سأصل حقاً لحالة السكر البيّن التي لطالما سمعت عنها من أصدقائي في الأرض وقت حياتي أم لا ؟ وبالفعل بعد أن إنغمست في الشرب لدرجة غير محتمله لم أسكر ولم أصل للنشوة التي كنت أرى أصدقائي عليها وقت سكرهم, ومن يومها لم أقرب لشراب الغلمان مره أخرى .....

لا توجد مواعيد محدده للطعام, فيمكنني أن آكل وقتما أشاء وبكميات لا حصر لها, كذلك لا توجد قيود على نوعية الأكلات (ماعدا لحم الخنزير والميته والدم بالطبع), يمكنني أن أتناول الوجبه الأولى من المطبخ الإيطالي, والثانية من الياباني, والثالثه من المصري, كذلك هو الحال بالنسبه للحلويات, فقط لا يمكنني أن أتذكر متى بدأت في كره نوعيات الأطعمه المختلفه, المشكلة أنني هنا من زمن طويل لا أعلم متى بدأ ولا كم مر منه, لهذا أجد ذاكرتي في كثير من الأحيان تخونني عندما أريد معرفة بداية حدث ما أو نهايته, لكني أعلم الآن على وجه اليقين أن الطعام لم يعد يشكل أي متعه بعد فترة, وأصبح مثله مثل أي شيء آخر في تلك الجنه البالغة الملل ...

تشوه جنسي :

من أروع متع الجنه على الإطلاق, مخلوقات غاية في الرقه والوداعه, تتحدث معها فتشعرك بالملائكية, تمارس معها الجنس فتسمو بروحك لأعلى الدرجات وتجدها تتحول تلقائيا لفتاة من فتيات البورنو الأمريكي من الدرجة الأولى, تقوم معك بكل ما تخيلته في حياتك ولم تستطع فعله, تشعرك بأحاسيس راودتك في أحلامك فقط, قبل أن تطلب منها ما يمتعك تجدها تفعله بكل بساطه, لا خجل ولا حياء ولا إخفاء لمشاعر, لا معنى للبرود معها, ولا مكان للإشتهاء المستحيل.

في مره من المرات قررت ممارسة الجنس مع إحداهن لمدة أطول من الطبيعي, وبعدد من المرات غير معتاد, في محاولة متعمدة لإنهاكي لأقصى درجة, كان هدفي الأساسي هو كسر قاعدة تقول بأن الرجل في الجنه لا تنفذ منه القوة الجنسية مهما فعل, وبعد ممارسة دامت لخمسه وعشرون مره متصله بلا توقف توصلت للنتيجة النهائية, لا يوجد أي إختلاف بين الممارسه في أول مره وفي آخرها ! إكتشاف يبعث على الإكتئاب رغم أنه يمثل قمه من قمم الأحلام الإنسانية مستحيلة المنال, إلا أن منالها يصل في النهاية لقمة الإكتئاب, فبوجودها إنتهت تماماً أي محاولة للتطور أو الحلم, خاصة مع وجود كل هذا الكم من حور العين فائقي الجمال والروعة والإثارة, فماذا عن حلمي بممارسة الجنس مع السمراء أو الخمرية أو الآسيوية ؟ وماذا عن التغيير من ناحية الجسم ؟ كلها أحلام لا يمكن تحقيقها في جنة الرب ....

قوالب متحركة :

في وقت شدة الملل نتجمع أنا وبعض الأصدقاء ممن وجدتهم في الجنه لنتكلم عن حياتهم في الأرض كيف كانت وما حدث لهم ليدخلوا الجنه ؟ أحدهم قال لي أنه لم يكن إنساناً صالحاً بأي مقياس من مقاييس الأديان جميعها, وأنه لطالما تخيل نفسه في سعير جهنم بعذاباتها الرهيبة الأبدية, ولم يتخيل يوماً أنه سيدخل جنة الخلد على يد ألد أعدائه على الأرض, فقد حدث أن قامت حرب ضارية بين وطنه ودولة مجاورة تحتل أجزاء من أرض بلده, وشارك في تلك الحرب أخاه الصغير كجندي مشاه في الخطوط الأمامية, بمعنى أصح إستشهد في تلك الحرب قبل أن تبدأ, وفجأه وجد نفسه أمام رجال الدين يبشروه بدخول الجنه من أوسع أبوابها لأن أخاه سيشهد له يوم القيامه وسيمنحه صك دخول الجنه بلا حساب إلا الكبائر التي لا نقاش فيها, وبالفعل كان ما كان, يقول أنه كثيراً ما وجد نفسه رغماً عنه سعيد بإستشهاد أخاه على يد أعداءه, بل ووجد الكثيرين يحسدونه على النعمه التي فوجىء بها تأتي له من غير ميعاد ولا أقل جهد منه سوى بعض الحزن على فقد أخاه, وعندما نفكر جميعنا الآن في حياتنا قبل الجنه وحياتنا الآن نجد أن فترة الأرض كان لكل منا شخصية مستقله تحيا حياة متغيرة مبدعه نكتشف فيها الجديد كل يوم ونقابل فيها جميع صنوف البشر, الآن نحن جميعا نسخه واحده, متشابهه لدرجة التطابق, كل ما يحدث لي هو نفسه ما يحدث لغيري, لا تغيير ولا تجديد, لا إختراع ولا إبتكار, لا عمل ولا تفكير, فقط إشباع رغبات ستجد يوماً طريقها للملل, وسنصحو (هذا على إعتبار أننا ننام) يوماً لنجد أنفسنا غير قادرين على الإستمرار ...

دعوة للذنوب :

هل جربت يوماً في حياتك البشرية الفانية أن تكون شريراً ؟ أن تستمتع بمشاهدة الغير يعاني من أفعالك ؟ أن ترتكب الإثم فقط للنشوة ؟ جربت تلك الأحاسيس كثيراً وقت بشريتي, ولكني كنت دائم الإستغفار والصلاة بعد إرتكابها, لعلمي المسبق برحمة إلهي الواسعه ومغفرته التي هي بلا حدود, ومع ذلك كنت أعود لإرتكاب تلك الآثام كأنها إدمان, ومرت على أوقات كثيرة كنت أشعر خلالها بكوني إنسان من خلال إرتكاب الذنوب والتمتع بها, الآن أعلم أنني أقرب للملاك من الإنسان, وكثيراً ما إنتابتني فكرة إرتكاب أي إثم حتى أستعيد شعور جميل لا أريد نسيانه, وبعد محاولات عديدة فاشلة لم يتبق لي سوى ذكرياتي عن أخطائي الأرضية, أجترها بألم لا نهائي, على أمل أن يحقق لي ربي وعده بأن أمنياتي ستتحقق قبل أن أطلبها, فهل يحقق لي أمنيتي بإرتكاب بعض الآثام ؟

مآساة المعرفة :

أتذكر وقت حياتي الأرضية أنني كنت أستمتع غاية الإستمتاع بمشاهدة القنوات الفضائية والتبحر في عالم الإنترنت, كذلك كانت من هواياتي المستمرة بلا إنقطاع القراءة بشتى صنوفها وألوانها, بل والكتابة في كثير من الأحيان, وعندما أنظر لحالي الآن لا أجد سوى البؤس والشقاء, عالم كامل أحيا فيه للا أخبار أو أفلام أو قصص أو روايات أو مسرحيات أو أوبرا أو أي شكل من أشكال الفنون, لا وجود للمعرفه أو المعلوماتية, إنتهت تماماً جهود البشر وإبداعاتهم, توقفت رحى العقول عن الإنتاج والتطوير, حتى الأحوال لا تتغير إلا بقدر يسير, تغيير نوعية الأطعمه أو تغيير حور عين بأخرى أو شرب بعض العسل واللبن من النهرين العظيميين, تلك هي أخبار الجنه, تغيير في الشكل دون المضمون, راحة للعقل لدرجة البلادة, إنتهاء السعي لمعرفة المجهول ....

نهاية محتومة :

بدأت يومي كالمعتاد بإفطار بسيط مكون من كسرة خبز وقطعة جبن أبيض مع بعض الشاي, بالطبع لا يمكن تسميته إفطار نظرا لعدم وجود ما يسمى باليوم المكون من نهار وليل, ولا يوجد كذلك شىء إسمه نوم يحدد لي بداية اليوم من نهايته, ولكني إعتدت على تقسيم وقتي بحسب نوع الوجبة, بعد إنتهائي من تناول الوجبه التي لم تشبعني بعد جوع نظراً لعدم وجود ما يسمى الجوع والشبع, ناديت على أحد هؤلاء الغلمان ليعطني مما يحمل, أفرغته في جوفي دون شعور وأكملت طريقي, تجولت قليلاً في جنائن تفوح منها روائح الورود بارعة الجمال, ولكني للاسف, إعتدت تلك الروائح فلم أعد أستمتع بها, كذلك لم تعد تبهرني أشكال تلك الجنائن بكل ما فيها من روعة, إنتهت الجولة كما بدأت, لا تغيير ولا نتيجة, إنضممت لجماعة تقرأ القرآن بصوت عذب, إستمعت في البداية ثم قرأت معهم إنسجاماً, بعد قليل وجدت نفسي أنسحب بعد قراءة ما تيسر من صور لا تنفع في الجنه ولا فائدة تذكر منها حالياً, في حياتي الفانية كنت أقرأ تلك السور طمعاً في حسنات تعد بالحرف, والحسنه بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء, الآن لماذا أطلب الحسنات ؟ هأنا ذا في الجنه التي من أجلها طلبت الحسنات, ماذا بعد ؟

لماذا يجب أن أكون طيباً ومسامحاً وهادئاً وعطوفاً .... إلخ ؟

لمن أفعل كل هذا ؟

هل لو فعلت أي ذنب سأحرم من الجنه وأدخل النار ؟ بالطبع لا !

إذن, فهي الحرب !

كلنا أموات :

حاولت قتله أكثر من مره ولم أفلح ! كلما هممت بقتله أجد قوة عجيبة تمنع حركتي, حتى الجنة غير مسموح فيها بالحرية المطلقه كما أوهمنا الأنبياء, معنى الإثم غير موجود, فكرة الخطأ منتهية, الخروج عن المسار غير مسموح به, أين المفر من المثالية المطلقة ؟

جربت أن أغوي واحده من حور العين للتتزوجني وننجنب أطفال نشغل بهم وقتنا, لم أجد سوى علامة إستفهام كبيرة في عينيها ثم نظرات حالمه تعدني بممارسة أروح للجنس حتى أنسى ما أريد, ناديت على واحد من الغلمان طالباً منه ضربي بالكأس الذي يحمله فرفض بلطف مشدداً على ضرورة الإستمتاع بالخمر الغير مسكر دون أذى, راودتني الفكرة الأخيرة علها تنهي مآساتي ....

تمرد :

ناجيت ربي مترجياً إياه أن يمنحني الإذن بالذهاب لجهنم لمشاهدة المعذبين, وهو حق وعد به الله المؤمنين بعد دخولهم الجنه, حقق لي ربي أمنيتي ووجدت نفسي في لمح البصر أقف على قمة برج ما أرى من أعلاه جزء كبير من جهنم وما يحدث فيها بشكل مفصل, شاهدت العذاب الشنيع والقدرة الرهيبة على إستخراج أعتى الآلام البشرية, شاهدت ما يحدث ولم أستطع منع دموعي, ولا حنقي البالغ أيضاً, شاهدت مجموعه في برج آخر تراقب ما يحدث مبتهجه مهلله مكبره تتمنى المزيد من المعاناة لأهل جهنم, إستمر الحال لبعض الوقت ولم أستطع إكمال فيلم الرعب المعوي الذي يستمتع به غيري, ثم أخذت قراري في لحظة خاطفة دون أدنى تفكير أو تردد, بل ودون أدنى شعور, قررت إلقاء نفسي من أعلى البرج في إتجاه جهنم وأهلها, الغريب في الأمر أنني في طريقي لجهنم لم أشعر بخوف أو وجل أو فزع, فقط راحه وهدوء وسكينة شبيهه ببدايات دخولي الجنه, أثناء رحلة السقوط تراءت لي مشاهد عديدة من حياتي الأرضية وحياتي في الجنه, توصلت من خلالها لنتيجة واحده, حياتي البشرية أكثر سعادة بمراحل من جنة الخلد .....

ليست هناك تعليقات: